فوزي آل سيف
31
كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
في مثل هذه الأوقات.[70]فإن هذه تختلف تمامًا عما قيل إن الإمام عليه السلام قد كتب للخيزران والدة موسى الهادي وهارون الرشيد يعزيها بالأول ويطلب لها طول العمر ويهنيها بخلافة هارون فإنه كان لشدة التقية[71]. بل في هذه الفترة يظهر أنها شهدت أيضا ذهاب الإمام الكاظم عليه السلام لزيارة جده الحسين عليه السلام في كربلاء كما يستفاد من بعض الأخبار. 5/ سجن الإمام لدى الفضل بن يحيى البرمكي: لم يكن هارون ليستقر وهو يرى الإمام الكاظم عليه السلام خارج السجن فما لبث أن أعاده إليه ولكن هذه المرة جعله عند الفضل بن يحيى البرمكي (الذي كان يمثل الخط الفارسي في البلاط العباسي) وبقي فيه مدة، وكان الفضل لا يضيق على الإمام بالمقدار الذي كان يرغب فيه هارون وشرطته! فهل كان ذلك لأجل ميولٍ علويةٍ لدى الفضل بن يحيى خلافًا لباقي أسرته من أبيه وإخوته وهي خطرةٌ للغاية كما يرى بعض الباحثين[72]،
--> 70 مثل ما نقل ابن شهر آشوب في كتابه المناقب ٤/ ٣٢٠.. من أن هارون كان يقول لموسى بن جعفر عليه السلام: «حُدّ فدكاً حتى أردّها إليك، فيأبى حتى ألحّ عليه. فقال عليه السلام: لا آخذها إلاّ بحدودها. قال: وما حدودها؟ قال عليه السلام: ان حددتها لم تردّها. قال: بحق جدّك إلاّ فعلت. قال عليه السلام: أمّا الحد الأول فعدن. فتغير وجه الرشيد وقال: ايهاً. قال عليه السلام: والحد الثاني سمرقند. فاربدّ وجهه. قال عليه السلام: والحدّ الثالث افريقية. فاسوَدَّ وجهه وقال: هيه قال عليه السلام: والرابع سيف البحر مما يلي الجزر وأرمينية. قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء، فتحوّل إلى مجلسي! قال موسى عليه السلام: قد أعلمتك أنني ان حددتها لم تردّها. فعند ذلك عزم على قتله». ومن ذلك أيضا ما ذكره قطب الدين الراوندي: في مكارم أخلاق النبي والائمة ٣٣٢ قال: كان مما قال هارون لأبي الحسن عليه السلام حين اُدخل عليه: ما هذه الدار؟ فقال عليه السلام: هذه دار الفاسقين، قال الله تعالى: {سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا} فقال له هارون: فدار من هي؟ قال عليه السلام: هي لشيعتنا فترة ولغيرهم فتنة. قال: فما بال صاحب الدار لا يأخذها؟ فقال: «اُخذت منه عامرة ولا يأخذها الاّ معمورة». قال: فأين شيعتك؟ فقرأ أبو الحسن عليه السلام: {لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ}. قال: فقال له: فنحن كفار؟ قال عليه السلام: لا، ولكن كما قال الله {ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ}. وقد نقل القسم الأول وهو تحديد فدك في كتاب البلدان لابن الفَقيه (ت نحو ٣٤٠) بذكر أن الحوار كان بين الإمام موسى بن جعفر وبين محمد المهدي العباسي، كما أن في روايات الإمامية أيضا أنه جرى تحديدها بهذه الحدود أمام المهدي العباسي، ولا مانع أن يكون الامام عليه السلام قد بين حدودها أمام المهدي العباسي وابنه هارون. فمما نقله ابن الفقيه في البلدان ١/٤٣٧ هو: “ولما قدم موسى بن جعفر على المهدي، كلمه في رد فدك. فقال له: أنا ناظرٌ في ذلك، ولكن أين حدودها؟ قال: أما الأول فعريش مصر. والثاني: دومة الجندل. والثالث: أُحد، والرابع: سيف البحر. فقال المهدي: هذه الدنيا كلها. فقال موسى بن جعفر: هذا كان في أيدي اليهود، فأفاءه الله على رسوله”. 71 البحراني، الشيخ عبد الله: العوالم، الإمام الكاظم عليه السلام ١/٢٣٧ وكتب الامام للخيزران رسالة تعزية بموسى الهادي يوم الخميس لسبع ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبعين ومائة. وقد علق الشيخ البحراني على ذلك بالقول أقول: انظر إلى شدّة التقيّة في زمانه عليه السّلام حتىّ أحوجته إلى أن يكتب مثل هذا الكتاب لموت كافر لا يؤمن بيوم الحساب فهذا يفتح لك من التقيّة كلّ باب، والله موفّق للصواب.. 72 الكوراني، الشيخ علي: الإمام الكاظم سيد بغداد ٢٣٩: كان هارون يرى أن تعاطفَ وزيره الفضل بن يحيى مع الإمام الكاظم عليه السلام وامتناعه عن تنفيذ أمره في التضييق عليه ثم بقتله، أمرٌ خطير، بل خيانة عظمى للنظام العباسي وشخص الخليفة! وذلك بعكس مخالفة ابن عمه والي البصرة وبعكس مخالفة غلامه الفضل بن الربيع! والسبب أن البرامكة بنفوذهم في الدولة، بإمكانهم أن يقوموا بانقلاب ويقتلوا هارون، ويبايعوا لموسى بن جعفر عليه السلام، أو لأي عباسي، أو علوي!